ابن قيم الجوزية
359
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وهل الرعونة كل الرعونة إلا دعواه : أنه يحب ربه لعذابه لا لثوابه ؟ وأنه إذا أحبه وأطاعه للثواب كان ذلك حظا وإيثارا لمراد النفس ؟ بخلاف ما إذا أحبه وأطاعه ليعذبه . فإنه لاحظ للنفس في ذلك ؟ فو اللّه ليس في أنواع الرعونة والحماقة أقبح من هذا ولا أسمج . وماذا يلعب الشيطان بالنفوس ؟ وإن نفسا وصل بها تلبيس الشيطان إلى هذه الحالة لمحتاجة إلى سؤال المعافاة . فزن أحوال الأنبياء والرسل والصدّيقين ، وسؤالهم ربهم ، على أحوال هؤلاء الغالطين ، الذين مرجت بهم نفوسهم . ثم قايس بينهما . وانظر التفاوت . فأين هذا من دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم « اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وبك منك . لا أحصي ثناء عليك . أنت كما أثنيت على نفسك » ؟ وقوله لعمه العباس رضي اللّه عنه « يا عباس ، يا عمّ رسول اللّه . سل اللّه العافية » وقوله للصدّيق الأكبر رضي اللّه عنه - وقد سأله أن يعلّمه دعاء يدعو به في صلاته - « قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا . ولا يغفر الذنوب إلا أنت . فاغفر لي مغفرة من عندك . وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم » . وقوله لصدّيقة النساء - وقد سألته دعاء تدعو به ، إن وافقت ليلة القدر - فقال « قولي : اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعف عني » وقوله في دعائه الذي كان لا يدعه : وإن دعا بدعاء أردفه إياه رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ [ البقرة : 201 ] . وقد أثنى اللّه تعالى على خاصته . وهم أولو الألباب ، بأنهم سألوه : أن يقيهم عذاب النار . فقالوا : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [ آل عمران : 191 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم لأم حبيبة : « لو سألت اللّه أن يجيرك من عذاب النار لكان خيرا لك » و « كان يستعيذ كثيرا من عذاب النار . ومن عذاب القبر » و « أمر المسلمين : أن يستعيذوا في تشهدهم من عذاب القبر ، وعذاب النار . وفتنة المحيا والممات . وفتنة المسيح الدجال » حتى قيل : إن هذا الدعاء واجب في الصلاة . لا تصح إلا به . وهذا أعظم من أن نستقصيه . ودخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على مريض يعوده . فرآه مثل الفرخ فقال : « ما كنت تدعو به ؟ فقال : كنت أقول : اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعاقبني به في الدنيا . فقال : سبحان اللّه ! إنك لا تطيق ذلك . ألا سألت اللّه العفو والعافية ؟ » . وفي « المسند » عنه صلى اللّه عليه وسلم : « ما سئل اللّه شيئا أحبّ إليه من سؤال العفو والعافية » وقال لبعض أصحابه : « ما تقول إذا صليت ؟ فقال : أسأل اللّه الجنة . وأعوذ به من النار ، أما إني لا أحسن دندنتك ، ولا دندنة معاذ . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنا حولها ندندن » . فأين هذا من حال من قال : لا أحبك لثوابك . لأنه عين حظي . وإنما أحبك لعقابك . لأنه لا حظّ لي فيه . والرجاء عين الحظ . ونحن قد خرجنا عن نفوسنا ، فما لنا وللرجاء ؟ . فهذا وأمثاله أحسن ما يقال فيهم : إنه شطح قد يعذر فيه صاحبه إذا كان مغلوبا على عقله . كالسكران ونحوه . ولا تهدر محاسنه ومعاملاته وأحواله وزهده « 1 » .
--> ( 1 ) وبأي وجه يعتذر للسكران بخمر الهوى ؟ وماذا تبقي هذه الرعونات ، وهذا الاستكثار من أعمال أو محاسن ؟ ولقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لصدره أزيز كأزيز الرجل من البكاء من شدة الخوف . إذا قام في الصلاة .